قراءة في تاريخ إيران الجمهورية/1/ بقلم / د. نزار السامرائي
قراءة في تاريخ إيران الجمهورية/1
د. نزار السامرائي
يُحكى أن نكيتا خروشوف وهو من أصل أوكراني، والذي جمع بين منصب الأمين العام للحزب الشيوعي السوفيتي ورئاسة الوزراء والذي تم عزله من جميع مناصبه في صيف 1965، قال ذات يوم، إيران تفاحة ناضجة تنتظر السقوط، ونضع أيدينا تحتها لالتقاطها في الوقت المناسب.
لكن الأحداث سارت على غير سكة القطار الذي افترضته موسكو، فقد سقط نظام حكم شاه إيران الحليف القوي للولايات المتحدة في شباط 1979، في ظروف شابتها تساؤلات كثيرة بشأن السهولة التي سقط بها نظام الشاه، سقط النظام القوي على خلاف قراءة التفسير الماركسي اللينيني لحركة التاريخ ومراحله، فقد آل الحكم في طهران إلى سلطة ثيوقراطية تعتمد سردية منغلقة على منهج مذهبي واحد، وذات جوهر قومي شوفيني يستنهض كل عُقدِ التاريخ الفارسي وعلاقاتها مع الأقوام الأخرى، لا سيما مع العرب الذين كانت فارس ترى أن بلادهم هي الخاصرة الرخوة في جيرانها من الجهات الأربع، فكانت كلما أرادت أن تتنفس خارج حدودها فلا تجد من أحد تستطيع أن تنفث زفيرها عليه إلا الفضاء العربي، ثم إنها كانت ترفع شعاراً دينياً بخلفية مذهبية متزمتة إلى حدود بعيدة تحت شعار تصدير الثورة مُغلِفة به أطماعا إمبراطورية توسعية، وصار بالإمكان رؤية مشروعين أمميين يسعيان للتوسع في منطقة واحدة، هما الحركة الشيوعية والتيار الديني الذي تتزعمه إيران، ومع ذلك لم يحصل الصدام المفترض أن يحصل بينهما بحكم ما تفرضه قوانين الصراع الدولي الذي أفرزته الحرب العالمية الثانية من ضبط النهايات السائبة بين معسكري الحرب الباردة، التي ضبطت قواعد الهيمنة على المناطق الرمادية والتي تشمل منطقة الشرق الأوسط.
ويبقى السؤال الرئيس في هذه المعادلة قائما، هل كانت النظرية التاريخية التي حاول الفكر الشيوعي فرضها على المجتمعات التي تعاني من التخلف، بعد أن افترضها صالحة لها كصلاحيتها للمجتمعات الصناعية؟ وهل كان خروشوف يقرأ حركة التاريخ كما ينبغي أو أنه كان مخطئا في توقعه لمستقبل إيران الذي افترض فيه تخطى مرحلة البرجوازية والانتقال إلى الاشتراكية؟ أو أنه كان يطرح أمنيات يريدها أن تتحقق في الجار الجنوبي للاتحاد السوفيتي أي إيران الغنية بالنفط والغاز الطبيعي والثروات العديدة والمطلة على المياه الدافئة؟ أم أنه كان لم يرغب بقطع كل الخيوط مع إيران التي يطلب ودها الشرق والغرب معاً؟
من المعروف وعلى مرّ التاريخ أن هناك حكمة أو عقدة تهيمن على العقل الاستراتيجي لكل دولة من دول العالم بصرف النظر عن ضعفها أو قوتها وحجمها ومساحتها، لا تريد أن ترى أحدا من جيرانها وقد صار أقوى منها على المنافسة في ميادين الاقتصاد، أو أقدر منها في موازين القدرة العسكرية، بحيث لا تقدر على مواجهته في حال نشوب نزاع مسلح بينهما، أو أن يصل في قوته مدى يشكل تهديدا عسكريا جديا لها، خاصة إذا استشعر أو عاش شكلا من أشكال الحكم الفردي أو ينزع إلى روح المغامرة، ويجد في نفسه القدرة على إلحاق أذى في واحد من مصادر قوتها، ورأينا أن روسيا تصرفت بطيش وتسرع ومنحت جارها الجنوبي فرصة للاستقواء عليها بتمكينها من امتلاك ناصية المعرفة النووية، واحتمال تحويلها إلى المجال العسكري مع كل ما يحمله ذلك من مخاطر إقليمية، لا سيما وأن روسيا تعي جيدا أن إيران عضو غير مرحب في النادي الاقليمي، فكيف إذا امتلك هذا العضو أسنانا نووية، حينذاك تكون روسيا مسؤولة مسؤولية أخلاقية وقانونية في فتح أبواب الصراعات الإقليمية التي تمتلك إغراءً لاستقطابات كثيرة يرجع معظمها لعقد تاريخية ودينية وهذا النوع من الاختلافات أكثر الاختلافات ثبوتا وأكثر قابلية للحياة والتوظيف في النزاعات المتجددة.
صحيح أن روسيا اليوم تتململ من أجل استعادة الموقع الذي كان الاتحاد السوفيتي يشغله أيام الحرب الباردة كقطب ثانٍ في ميزان القوة الدولية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، وبحكم ما تمتلكه من ترسانة نووية وصاروخية، لا تخيفها دولة ما زالت تحبو على طريق طويل بحيث تصبح مصدر خطر على روسيا، إلا أن الصحيح أن روسيا لا تمتلك أدوات التحكم بمسيرة الأحداث والتطورات اللاحقة، لهذا فإن موسكو أوقعت نفسها في فخ نصبته بنفسها لكنها لا تعرف متى يطبق عليها، عندما وضعت خطة بعيدة المدى لبرنامج نووي متعدد الأغراض، إمعانا في منهجها الذي يجسد جمودا فكريا ورثته روسيا من أبيها الاتحاد السوفيتي، فقد بدأت بتنفيذ مفردات البرنامج النووي الإيراني الطموح أكثر من المسموح له، حتى أصبحت المصدر الرئيس لمعدات المشروع النووي الإيراني الذي قد يشكل خطرا على الأمن القومي لروسيا وللجمهوريات المستقلة عن الاتحاد السوفيتي، وكأن روسيا تسعى بكل قوتها لإدخال تلك الجمهوريات والتي تدين شعوبها بالإسلام من دون استثناء في دوامة من الازمات المتجددة.
بعد وصول الخميني إلى طهران في مطلع شباط 1979، كجزء من خطة تحرك أمريكي أوربي للتحالف الغربي بدأت من بغداد إلى الكويت ثم باريس، وامساكه بالسلطة في إيران، حصلت اصطفافات عريضة على المستويين الداخلي والخارجي قلقا وترقبا أو دعما للسلطة الجديدة، التي رفعت شعارات مضادة لكل ما كان الشاه يتبناه من سياسات داخلية أو إقليمية أو دولية، وبصوت عالي الوتيرة في محاربة الامبريالية والصهيونية، وأردفتها بخطوة استعراضية وهي إغلاق المكتب الدبلوماسي الإسرائيلي في طهران، ووضعته تحت تصرف منظمة التحرير الفلسطينية، وقد استقطبت هذه الخطوة اهتماما عاطفيا واسع النطاق لا سيما في الوطن العربي، الذي عانى من النهج المعادي للعرب الذي كان سائدا في عهد الشاه، وعلى الرغم أن الحكومة الإيرانية انقلبت لاحقا على توجهات منظمة التحرير الفلسطينية واتهمتها بالتفريط بالقضية الفلسطينية، لكن الخطوة القديمة هي التي يقيت في الذاكرة الجمعية العربية.
ويبدو أن النظام الجديد وظف هذا الملف وحوّله إلى وصفة يمكن الرجوع إليها كلما اقتضت الضرورة إلى ذلك، فحوله إلى صفقة تجارية رابحة ظلت إيران تستثمرها في لعبة التوسع على حساب العرب حتى يومنا هذا، في تلك الأجواء الملتبسة والصاخبة، تحرك الحزب الشيوعي الإيراني "حزب تودة" بسرعة فائقة بعد التقاط الأنفاس المتقطعة التي مرّ بها، عسى أن يلحق بالعربة الأخيرة من قطار الخميني ويجد له مقعدا شاغرا فيها، وأخذ يُسُوّقُ للتجربة الجديدة في إيران داخليا بما يمتلكه من رصيد مفترض في الأوساط الشعبية الفقيرة، وخارجيا بما يمتلكه من دعم الاتحاد السوفيتي وشبكة العلاقات الواسعة على مستوى الاحزاب الشيوعية والمنظمات الشعبية والمهنية، على أن التجربة الجديدة في إيران، نجحت في جمع الأضداد في سلة واحدة مما يبشر بتحولها اللاحق إلى النموذج الذي يصبو إليه، وبنى كل حساباته للمرحلة المقبلة على هذا الأساس، ومع أنه لم يحصل على دور حقيقي في أجهزة الدولة الجديدة، إلا أنه حافظ على دور المراقب الذي يعيش حالة انتظار.
لكن هذا كله لم يشفع له ولم يمنع السلطة بعد سنوات معدودة من التحالف غير المعلن مع كثير من القوى التي سعت إلى تحييدهم مرحليا، حتى تستكمل كل حلقات قوتها، لتنفيذ ملاحقات شرسة قادها الحرس الثوري "الذي أسسه الخميني ليكون القوة الضاربة بديلا عن جيش الشاه على المدى البعيد أو رديفا له على المدى المنظور"، لعناصر الحزب الشيوعي الإيراني "تودة" بمن فيهم قيادة الحزب، لاسيما أمينه العام نور الدين كيانوري الذي أُجبر على الظهور على شاشة التلفزيون الحكومي بطريقة تعمّدت إذلاله، فاعترف بجرائم لم يرتكبها، واعتذر لقائد الثورة عما ارتكبه حزب "تودة" من أخطاء بحق الثورة، ويمكن أن يُعزى جزء من أسباب نقمة الخميني على الاتحاد السوفيتي، أنه في ظرف صعب مرت به حركة معارضة الشاه في النصف الأول من عقد ستينيات القرن الماضي، أقام السوفييت مجمعاً للحديد والصلب في أصفهان عام 1965، تحت لافتة أن إقامة الصناعات الثقيلة سيؤدي إلى نشوء طبقة بروليتارية تمهد الطريق لإقامة النظام الشيوعي، كما قامت موسكو في السنة نفسها، بتزويد نظام الشاه السابق بصفقة دبابات من طراز T 54""، ولذا فإن شعار "مرگ بر شوروي" أي الموت للاتحاد السوفيتي، ظلت ترتفع في شوارع طهران جنبا إلى جنب مع شعارات الموت لأمريكا والموت لإسرائيل.
لقد قامر حزب تودة بآخر ما تبقى في رصيده من سمعة، في لحظة غياب معيب للوعي وكأنه يُؤدي لعبة روليت روسية عندما اختار مواصلة دعم السلطة الدينية في إيران، غير أن ذلك كله لم يدفع الحزب إلى تعكير مزاح سلطة الخميني بخطاب سياسي أو إعلامي على مستوى الشارع، أو الوقوف ضدها في أوساط تحرك الأحزاب الشيوعية وخاصة في أوربا الشرقية أو لمواجهة أي من المواقف التي اتخذتها السلطة الجديدة، بل ظل مدافعا عنها وحافظ على انتمائه لإيران، وهذه ميزة تمتلكها الحركات السياسية المعارضة، حتى عندما تعرضت المنطقة إلى ساحة لصراعات عقائدية أو سياسية أو تنافس بين المصالح الاقتصادية، كما أن 'تودة" تجاهل تماما المطاردات التي تعرضت لها قوى اليسار في البلاد مثل حركة "فدائيين خلق" المتطرفة أو حركة "مجاهدين خلق" التي دعمت سلطة الخميني بكل قوة في خطوات التغيير الأولى.
وبدلا من أن يرد السوفييت على الإجراءات الإيرانية بحق الحزب الشيوعي الموالي لموسكو ولو في رسالة دبلوماسية كما كان متوقعا، فالخميني كان يخطط بقوة للانفراد بالسلطة، حتى لو أدى ذلك إلى قمع جميع الشركاء من اليسار الإيراني الذين ساعدوا في إسقاط الشاه، لقد كان صمت موسكو عما كان يحصل من ملاحقات يطرح تساؤلات شتى عن ثنائية المعايير السوفيتية بشأن تعامل الدول الأخرى مع الأحزاب الشيوعية المحلية، لقد كان تصرف موسكو بعيدا عن المبادئ التي كانت تتحدث عنها كثيراً، بل كان موقفها موقفاً سياسيا بأعلى درجات البراغماتية، فموسكو ما كانت لتفرط بما تحقق لها من خروج إيران من التحالف الغربي بسبب ما كان يمثله من خطر أقامه التحالف الغربي على الحدود الجنوبية للاتحاد السوفيتي، واعتبرت ذلك سببا كافيا لمهادنة النظام الجديد، فنمت العلاقات بين موسكو وطهران بسرعة على نحو لافت، كانت أبرز صفحاته إقامة صرح مشروع نووي إيراني كبير، كان المفتاح الحقيقي لسلسلة منشآت نووية أقيمت في أصفهان وقم وآراك، وحملت هذه المنشآت في أحشائها جنيناً من التهديد وخاصة للعراق ومنطقة الخليج العربي بإقامة المشروع في مدينة بو شهر، الواقعة على الساحل الشمالي للخليج العربي وهي مدينة عربية في إقليم الأحواز، في حين كان بالإمكان أن يقام المشروع على ضفاف بحر قزوين القريبة من جمهوريات الاتحاد السوفيتي والقريبة من مدينة طهران، فتحول المفاعل من مشروع للبحث العلمي وانتاج الطاقة الكهربائية إلى قنبلة موقوتة تهدد العراق والجزيرة العربية والخليج العربي، بل وضع المخططون السوفييت نصب أعينهم بأن يكون الموقع الجغرافي جزءاً من خطة الدفاع الاستراتيجي الإيراني عن نفسها وعن المفاعل.

Reacties
Een reactie posten